دي ميستورا، وخارطة الطريق

    لحسن الجيت ديبلوماسي مغربي سابق

التطورات التي تشهدها قضيتنا الوطنية من خلال المواقف الإيجابية التي تعاقبت العديد من القوى الدولية على اتخاذها تبشر بأن مجريات هذا الملف باتت محسومة ما لم يكن الأمر قد قضي بالفعل. فالتحول في الموقف الإسباني الذي بدأ بالتأكيد على ضرورة التعاطي مع مبادرة الحكم الذاتي كأساس للحل وانتهى باعتراف واضح لمغربية الصحراء من خلال نشر خارطة المغرب كاملة على موقع وزارة الخارجية الإسبانية، يعد ذلك التحول منارة ونقطة ارتكاز سوف تهتدي بها عدة أطراف لأن إسبانيا هي أكثر من غيرها من حيث الاطلاع على خبايا هذا الملف وعلى مجرياته قانونيا وتاريخيا وعلى مدى علاقة سكان تلك الأقاليم بسلاطين المغرب.

ستيفان دي ميستورا باعتباره اليوم مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة مدعو أكثر من أولئك الذين سبقوه أن يعيد ترتيب أوراق ذلك الملف الموجود بين يديه ليس فقط على أساس أن إسبانيا وما أبدته من موقف جديد لأنها كانت هي الإدارة المشرقة على ذلك الإقليم، بل كذلك على أساس تبنيها للمبادرة المغربية التي أصبحت منذ 2007 هي النقطة المرجعية للشرعية الدولية في إيجاد الحل. ولم يعد من حق دميستورا أن يبحث عن السمكة من أين تتبول سيما بعد أن اعترفت كل من الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء، وكذلك على نهجها تماثلت إسبانيا مع الموقف ذاته، وفي نفس الاتجاه ذهبت كل من فرنسا وألمانيا وتلاحقهما بريطانيا.  فهي جميعها تطورات يجب أن تشكل خارطة الطريق للسيد “دي ميستورا” مع الأخذ في الحسبان كذلك العديد من الدول العربية والإفريقية التي سارعت إلى فتح قنصليات لها في الأقاليم الصحراوية.ولا غرو أنه على المدى المنظور سيفحم أعداء الوحدة الترابية على قلتهم بعد أن تعود إسبانيا لتسجل حضورها في الأقاليم من خلال فتح قنصلية لها. 

ولذلك، حينما ندعو اليوم “دي ميستورا” إلى إعادة ترتيب أوراقه إنما نريد بذلك أن نسائله ما هي الوجهة التي يجب أن يتخذها وما هي أدوات عمله على ضوء تلك المستجدات التي أفرزت بوضوح ما هي الأطراف التي تعرقل الجهود الرامية الى إيجاد  حل سياسي؟

أولا ،مما لا شك فيه أن مبادرة الحكم الذاتي بعد هذا الذي حدث لم تعد ملكا للمغرب وحده بل أصبحت أيضا ملكا للمنتظم الدولي وتحولت إلى مرجعية وحيدة للشرعية الدولية فيما لا تقبل القسمةأو التصرف فيها في مضيعة للوقت إرضاء لطرف واحد وليس أطراف، وهو الطرف الذي ليس بيده مفاتيح الحل عدا التشويش الذي يستخدمه لخدمة أجندته الداخلية واطماعه الاقليمية.

ثانيا،على”ديميستورا”أن يعي جيدا أن مسألة تقرير المصير وتتويجها  باستفتاء أصبحت جزءا من الماضي ولم تعد صالحة كآلية في مفهوم الدولة الحديثة وهي الدولة التي تستند اليوم في معالجتها للقضايا الترابية على مسألة الحكم الذاتي. هذا حال بعض الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا التي تمكنت من لم الشمل لوحدتها الترابية عن طريق إرادة سياسية لقادتها من دون أن تلجأ إلى آلية استفتاءشعبي،وهي آلية يراد فقط تسليطها كسيف على عنق دول لا تنتمي إلى الفضاء الأوروبي. كما أن الحكم الذاتي هو واحد من تجليات تقرير المصير وتفعيله بقواعد حديثة لا علاقة لها بعقلية الحقبة الاستعمارية ولا بعقلية الحرب الباردة،بل بما يتماشى مع متطلبات الطرح الحديث للقانون الدولي أي بديمقراطيات محلية تفرز مؤسسات تشريعية وتنفيذية تسند لأبناء الإقليم لتدبير الشأن المحلي مع الاحتفاظ برموز السيادة للسلطة المركزية.

 لهذه الاعتبارات والتطورات الحاصلة في المفاهيم وفي المواقف وفي الممارسات،وجب على المبعوث الأممي السيد “دي مستورا” أن يستحضر كل ذلك في مهمته وفي الاتصالات التي ينوي أن يجريها على صعيد المنطقة. كما لا يحق له أن يفتح المجال لنقاش خارج هذا السياق. ويمكن للسيد “دي ميستورا” ان يستأنس بالقرار الصارم الذي كان قد فرضه سلفه الألماني “هورست كولر”حينما خصص إحدى الموائد المستديرة للاستماع إلى الآراء في موضوع الحكم الذاتي فقطوذلك بحضور رمطانلعمامرة الذي ألزمه هو الآخر غصبا عنه بالمضمون وبالتوقيت في التدخل. واليوم “دي ميستورا” مدعو لإبداء هذا الحزم لأن المجال أمامه رحب ومفتوح والظروف مهيأة له  أكثر من سلفه الألماني.

ثالثا، على ضوء هذه التطورات في مواقف الدول التي لها شأن وجد مجلس الأمن الدولي أن هناك  فرصة لإعادة تقييم الوضع بالشكل الذي يواكب هذه التطورات والمستجدات وهو ما يؤشر على إمكانية تعزيز الطرح القائم الذي لا بديل عنه وهو الحكم الذاتي.

رابعا، يفترض اليوم في المبعوث الأممي “دي ميستورا” أن يختزل الجهد ويصحح مقاربة المسار التفاوضي أي ما هي الأطراف التي ينبغي أن يستمع إليها. وهذا يقودنا إلى الحديث عن ضرورة إقصاء تلك العصابة المدعوة بالبوليساريو  لأنها ليست سيدة نفسها وليس من حقها ولا هي قادرة على أن تكون طرفا في المعادلة. فلا هي صاحبة شرعية تاريخية ولا شرعية انتخابية ولن تكون لأن جل ساكنة تلك المخيمات ليسوا من أبناء الأقاليم الصحراوية بل استقدموا من مناطق بؤر التوتر في منطقة الساحل.

وإذا كان النظام الجزائري يدعي أنه ليس طرفا في هذا النزاع، لكنه على عكس ذلك  يؤكدللجميع من خلال ممارساته وفي كل محطة أنه هو الطرف الحقيقي  من قبيل ما قام به مؤخرا من سحب سفيره من مدريد احتجاجا على إقرار إسبانيا بنجاعة مبادرة الحكم الذاتي، فأين هو إذن موقع ودور عصابة البوليساريو أمام تبوء الجزائر للمشهد وإزاحة البوليساريولمواجهة كل التطورات التي لم تقو عليها تلك العصابة. ولعل ذلك قد يقودنا إلى طرح سؤال جوهري وهو عن أي استفتاء يتحدث النظام الجزائري ولفائدة من؟  أجوبة ينبغي أن يقف السيد “دي ميستورا” على حقيقتها خلال لقاءاته ليضعها في ميزان المقارنة وليرفع بشأنها تقارير تكشف عن تلك المفارقة ما بين الواقع الذي لا نجد فيه أثرا لما يسمى بالبوليساريو وما بين أدبيات الأمم المتحدة التي تحدثت يوما ما عن البوليساريو كطرف.

خامسا، على “دي ميستورا” أن يحصر اتصالاته مع الأطراف المعنية بهذا الملف وهي أولا إسبانيا باعتبارها دولة كانت مسؤولة على إدارة الإقليم وتعرف حيثياته التاريخية والقبائلية، وثانيا موريتانيا لأنها طرف أقليمي معني بكل الإجراءات والترتيبات التي تخص أمن واستقرار المنطقة، وثالثا الجزائر باعتبارها دولة من دول مشاغبة يجب التواصل معها لحملها على التوقف عن كل ما من شأنه أن يجعل المنطقة عرضة للإرهاب وعدم الاستقرار. فالجزائر طرف في افتعال المشكل كما هي طرف في عرقلة المبادرات لكنها ليست على الإطلاق طرفا في الحل.

إنها حقائق بادية للعيان، وعلى المبعوث الأممي في شخص “دي ميستورا” أن يحدد المسؤوليات وأن يقول للمنتظم الدولي على من تقع مسؤولية العرقلة والحيلولة دون التوصل إلى حل سياسي لنزاع مفتعل طال أمده، وإلى متى سيبقى كابوس هذا المسلسل جاثما على أنفاس المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

كازينو على الانترنت